الحلبي

101

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

أنهما جناحان كجناح الطائر كما يسبق للوهم . أي لأن الصورة الآدمية أشرف الصور ، أي ولا يضر في ذلك وصفهما بأنهما من ياقوت ولا كونهما مضمخين بالدم ، وصار المسلمون يحثون في وجوههم التراب ويقولون لهم يا فرارون ، فررتم في سبيل اللّه ، فصار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : بل هم الكرارون . وفي لفظ : إنهم قالوا : يا رسول اللّه نحن الفارون ، فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : بل أنتم العكارون : أي الكرارون ، وهو دليل على أنه كان بينهم محاجزة وترك للقتال . وعن بعض الصحابة : لما قتل ابن رواحة رضي اللّه عنه انهزم المسلمون رضي اللّه عنهم أسوأ هزيمة ثم تراجعوا ، ولقد لقوا من أهل المدينة لما رجعوا شرا ، حتى إن الرجل يجيء إلى أهل بيته يدق عليهم بابه ، فيأبون يفتحون له ويقولون له : هلا تقدمت مع أصحابك ؟ فقتلت ، حتى إن نفرا من الصحابة رضي اللّه عنهم جلسوا في بيوتهم استحياء ، كلما خرج واحد منهم صاحوا به ، وصار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يرسل إليهم رجلا رجلا . ثم يقول : أنتم الكرارون في سبيل اللّه ، ويعنون بالفرار انحيازهم مع خالد رضي اللّه عنه حين انحاز العدو عنهم ؛ وإنما انحاز خالد رضي اللّه عنه لترتيبه العسكر ، وقد مدح النبي صلى اللّه عليه وسلم خالدا رضي اللّه عنه على ذلك وأثنى عليه . وقتل رجل من المسلمين رجلا من الروم ، فأراد أخذ سلبه فمنعه خالد رضي اللّه عنه ، فلما أخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم بذلك قال لخالد : ما منعك أن تعطيه سلبه ؟ قال : استكثرته عليه ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ادفعه له . وكان عوف بن مالك رضي اللّه عنه كلم خالدا في دفع ذلك لذلك الرجل قبل أن يقدموا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلما مر خالد بعوف بن مالك أطلق لسانه في خالد رضي اللّه عنه وقال له : أما ذكرت لك ذلك ونحوه ؟ ، فغضب صلى اللّه عليه وسلم وقال لخالد : لا تعطه يا خالد ، هل أنتم تاركون لي أمرائي ؟ . وفيه أن القاتل استحق السلب فكيف منعه . وأجيب بأنه يجوز أن يكون دفعه له بعد ، وإنما أخر دفعه تعزيزا لعوف رضي اللّه عنه حين أطلق لسانه في خالد ، وانتهك حرمته ، وتطييبا لقلب خالد رضي اللّه عنه للمصلحة في إكرام الأمراء ، وهذا السياق لا يدل على أن الجيش كله رضي اللّه عنهم قيل لهم الفرارون وإنما كان لطائفة من الجيش فروا إلى المدينة لما رأوا من كثرة العدو فليتأمل . وعد هذه غزوة تبعت فيه الأصل ، والحق أنها ليست من الغزوات بل من السرايا الآتي ذكرها لأنه صلى اللّه عليه وسلم لم يكن فيها ، واللّه أعلم .